محمد حسين هيكل
54
حياة محمد ( ص )
المصري القديم مصورا في أوزوريس وإيزيس وهورس مشيرا إلى وحدة الحياة في بلادها وتجددها وإلى اتصال خلد الحياة من الآباء إلى الأبناء ، وما بين الوثنية اليونانية في تصويرها للحق والخير والجمال تصويرا مستمدّا من مظاهر الكون الخاضعة للحس ، كما اختلف من بعد ذلك اختلافا هوى بهذا التصوير في عصور الانحلال المختلفة إلى دنيا المراتب ، لكنه بقي دائما أصل هذه الحضارات التي شكلّت مصاير العالم ، كما أنه قويّ الأثر في حضارة هذا العصر الحاضر ، وإن حاولت هذه الحضارة أن تتخلّص منه وتقف في وجهه وقوفا ما يزال الحين بعد الحين يستدرجها إليه . ومن يدري ! لعله سيد مجها فيه في مستقبل قريب أو بعيد مرة أخرى . في هذه البيئة التي استندت حضارتها منذ ألوف السنين إلى أصل ديني ، نشأ أصحاب الرسالة بالأديان المعروفة حتى اليوم . في مصر نشأ موسى ، وفي حجر فرعون تربي وهذّب ، وعلى يد كهنته ورجال الدين من أهل دولته عرف الوحدة وعرف أسرار الكون . فلما أذن اللّه له في هداية قومه ببلد كان فرعون يقول لأهله : « أنا ربكم الأعلى » وقف يجادل فرعون وسحرته ، حتى اضطرّ آخر الأمر فهاجر ومعه بنو إسرائيل إلى فلسطين . وفي فلسطين نشأ عيسى روح اللّه وكلمته التي ألقاها إلى مريم . فلما رفع اللّه عيسى بن مريم إليه ، قام الحواريون من بعده يدعون إلى المسيحية التي دعا إليها . ولقي الحواريون ومن اتبعهم أشد العنت ؛ حتى إذا أذن اللّه للمسيحية أن تنتشر حمل علمها عاهل الروم صاحبة السيادة على العالم يومئذ ، فدانت الإمبراطورية الرومانية بدين عيسى ؛ وانتشرت المسيحية في مصر والشام واليونان ، وامتدت من مصر إلى الحبشة ، وظلت من بعد قرونا يزداد سلطانها توطّدا ، ويستظل بلوائها كل من استظل بلواء الروم وكل من طمع في مودتها وفي حسن العلاقة بها . المسيحية والمجوسية تجاه المسيحية التي انتشرت في ظلّ لواء الروم ونفوذها وقفت مجوسية الفرس تؤازرها قوى الشرق الأقصى وقوى الهند المعنوية . وقد ظلت آشور وظلت مدينة مصر الممتدة في فينيقيا عصورا طويلة حائلة دون انتطاح عقائد الغرب والشرق وحضارتيهما . على أن دخول مصر وفينيقيا في المسيحية أداب هذا الحائل ووقف مسيحية الغرب ومجوسيّة الشرق وجها لوجه . وقد ظل الشرق والغرب عصورا متصلة وفي نفس كلّ من الهيبة لدين الآخر ما أقام مكان ذلك الحائل الطبيعي الأول حائلا آخر معنويّا ، اقتضى كلتا قوّتيه أن توجه جهودها وغزواتها الروحية في ناحيتها ، وألا تفكر في دعوة الآخرى إلى عقيدتها أو حضارتها ، مع ما اتصل بينهما على مرّ القرون من حروب . ومع أن فارس انتصرت على الروم وحكمت الشام ومصر ووقفت على أبواب بزنطية ، لم يفكر ملوكها في نشر المجوسية أو إحلالها محل النصرانية . بل احترم الغزاة عقائد المحكومين ، وعاونوهم على تشييد ما خرّبت الحرب من معابدهم ، وتركوا لهم الحرية في إقامة شعائرهم . وكل ما صنع الفرس أن أخذوا الصليب الأعظم وأبقوه عندهم ، حتى دارت الحرب عليهم واسترده الروم منهم . وكذلك ظلت غزوات الغرب الروحية في الغرب ، وغزوات الشرق في الشرق ؛ وبذلك كان الحائل المعنوي في مثل منعة الحائل الطبيعي ، وكفل تكافؤ القوّتين من الناحية الروحية عدم تصادمهما . بزنطية وارثة رومية وظلت الحال كذلك إلى القرن السادس المسيحي . وفي هذه الأثناء اشتدت المنافسة بين رومية وبزنطية . أما رومية ، التي أظلّت أعلامها ربوع أوروبا إلى الغال وإلى السلت في إنكلترا أجيالا عدّة ، والتي فاخرت العالم وما زالت تفاخره بعهد يوليوس قيصر ، فقد بدأ مجدها ينزوي رويدا رويدا ، حتى انفردت بزنطية